تجفيف موارد الأونروا… تمهيد لتصفية اللاجئين وإعادة تشكيل غزة لم تكن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، منذ أن أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، مجرد مؤسسة تقدم الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، بل أصبحت أحد أهم الشواهد القانونية والسياسية على استمرار قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتجسيداً لالتزام المجتمع الدولي بمسؤوليته تجاه نكبة ما زالت آثارها ممتدة منذ أكثر من سبعة عقود. وخلال هذه العقود، حملت الوكالة مسؤولية رعاية ملايين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس، وأسهمت في بناء أجيال كاملة من خلال مدارسها، وشكلت شبكة الأمان الصحي والاجتماعي لملايين الأسر، حتى غدت جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين، وعنواناً لاستمرار الاعتراف الدولي بقضيتهم إلى حين التوصل إلى حل عادل وفق قرارات الشرعية الدولية. غير أن الأونروا تواجه اليوم أخطر مرحلة في تاريخها، ليس بسبب أزمة مالية عابرة، وإنما لأنها أصبحت هدفاً مباشراً لمشروع سياسي يسعى إلى إنهاء دورها، وتجريد قضية اللاجئين الفلسطينيين من أحد أهم مرتكزاتها القانونية والإنسانية. أزمة التمويل… عنوان لمعركة سياسية العجز المالي العاجل الذي تواجهه الوكالة، والمقدر بنحو مائة مليون دولار، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خلل في الموازنة أو تراجعاً في مساهمات الدول المانحة، بل هو جزء من سياسة متدرجة لتجفيف مواردها ودفعها نحو الشلل. فمنذ سنوات، تقود إسرائيل حملة سياسية وإعلامية ودبلوماسية تستهدف الأونروا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استمرار وجودها يعني استمرار الاعتراف الدولي بقضية اللاجئين وحقهم في العودة، باعتبارها المؤسسة التي أنشأتها الأمم المتحدة خصيصاً لرعاية هؤلاء اللاجئين إلى حين إيجاد حل عادل لقضيتهم. وقد وجدت هذه الحملة دعماً أمريكياً واضحاً، بعدما علّقت واشنطن تمويلها للوكالة استناداً إلى اتهامات إسرائيلية طالت عدداً محدوداً من موظفيها. ومهما كانت طبيعة تلك الاتهامات الباطلة التي لا تستند الى دليل، فإنها لا يمكن أن تبرر معاقبة مؤسسة أممية بأكملها، ولا حرمان ملايين اللاجئين من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية. فالهدف الحقيقي يتجاوز الادعاءات الأمنية إلى محاولة تحويل اللاجئين الفلسطينيين من أصحاب حق سياسي وقانوني إلى مجرد حالات إنسانية يمكن إدارتها عبر مؤسسات إغاثية أخرى، تمهيداً لإخراج قضية اللاجئين وحق العودة من أي تسوية مستقبلية. غزة… إعادة الإعمار أم إعادة هندسة القضية؟ وتزداد الصورة وضوحاً مع تصاعد الدعوات إلى استبعاد الأونروا من أي دور في إعادة الحياة والإعمار في قطاع غزة، وكان آخرها موقف ما يسمى بـ"مجلس السلام في غزة"، الذي أعلن رفضه أن تضطلع الوكالة بأي دور في هذه العملية. ومهما كانت المبررات التي تُطرح لهذا الموقف، فإن نتائجه السياسية تنسجم بصورة مباشرة مع رؤية الدولة الصهيونية التي تسعى منذ سنوات إلى إنهاء وجود الأونروا واستبدالها بترتيبات جديدة لا ترتبط بصفة اللجوء ولا بحق العودة. فالوكالة التي راكمت خبرة واسعة في إدارة التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية في غزة، والتي تمتلك البنية المؤسسية والكوادر والخبرة الميدانية، لا يمكن استبعادها لأسباب فنية أو إدارية، إلا إذا كان المقصود هو إعادة صياغة المشهد الفلسطيني بطريقة تفصل إعادة إعمار غزة عن قضية اللاجئين، وتفتح الباب أمام واقع سياسي جديد يخدم أهداف الاحتلال. إن إعادة إعمار غزة ضرورة إنسانية ووطنية، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى مدخل لتفكيك الأونروا أو تجاوز ولايتها الأممية، لأن ذلك سيكون خطوة إضافية على طريق تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين. الأردن… صوت الشرعية الدولية في الدفاع عن الأونروا في مقابل هذه المحاولات، يبرز الأردن بوصفه الدولة الأكثر ثباتاً واتساقاً في الدفاع عن الأونروا وولايتها الأممية. فقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني، في مختلف المحافل الدولية، أن الوكالة ليست مجرد مؤسسة إغاثية، وإنما ركيزة أساسية للاستقرار الإنساني والسياسي في المنطقة، وأن المساس بها يمثل استهدافاً مباشراً لقضية اللاجئين الفلسطينيين وللشرعية الدولية التي أقرت حقوقهم. وانطلاقاً من هذا الفهم، واصل الأردن حشد الدعم السياسي والدبلوماسي لاستمرار الوكالة، وهو ما دفع الأونروا إلى التأكيد بأن المملكة تشكل "حاجز صد" أمام المحاولات الرامية إلى تصفية الوكالة. إن هذا الموقف لا يعكس دفاعاً عن مؤسسة أممية فحسب، بل يجسد رؤية استراتيجية تدرك أن حماية الأونروا هي حماية لحق العودة، وصون لأحد أهم مرتكزات القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل التجربة الأردنية نموذجاً عربياً يستحق أن يُحتذى. الخذلان العربي والإسلامي وفي مقابل هذا الموقف الأردني الواضح، يبرز سؤال مؤلم: أين بقية العالمين العربي والإسلامي؟ فالعجز المطلوب لتأمين استمرار عمل الأونروا لا يتجاوز مائة مليون دولار، وهو مبلغ يقل كثيراً عن تكلفة مشاريع ترفيهية أو صفقات رياضية أو حملات إعلامية في عدد من الدول العربية. إن المشكلة لم تعد في الإمكانات، بل في غياب الإرادة السياسية لإنشاء شبكة أمان مالية دائمة تحمي الوكالة من الابتزاز السياسي الذي تمارسه بعض الدول المانحة. لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد الكامل على التمويل الغربي يجعل مستقبل ملايين اللاجئين رهينة لتقلبات السياسة الدولية، وهو ما يفرض على الدول العربية والإسلامية الانتقال من بيانات التضامن إلى سياسات عملية ومستدامة تكفل استقلالية عمل الأونروا واستمرار رسالتها. ازدواجية المعايير الدولية كما تكشف الأزمة حجم التناقض في مواقف كثير من الدول الغربية التي تتحدث عن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي، بينما تسمح في الوقت ذاته بتجفيف الموارد المالية للمؤسسة الأممية الأكثر قدرة على تقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين. فلا يمكن الادعاء بالحرص على الوضع الإنساني في غزة، وفي الوقت نفسه إضعاف المؤسسة التي تدير المدارس والعيادات ومراكز الإغاثة، ولا يمكن الحديث عن احترام القانون الدولي مع العمل على تقويض المؤسسة التي تمثل أحد أبرز تجليات الالتزام الأممي بحقوق اللاجئين الفلسطينيين. إن هذه الازدواجية لا تضعف الأونروا وحدها، بل تضعف أيضاً مصداقية النظام الدولي بأسره. الدفاع عن الأونروا… دفاع عن فلسطين إن المعركة الدائرة اليوم ليست معركة موازنة مالية، بل معركة على الذاكرة والهوية والحقوق. فإذا انهارت الأونروا، فلن تتوقف المدارس والعيادات وبرامج الإغاثة فحسب، بل سيتلقى المشروع الصهيوني دفعة استراتيجية نحو إضعاف قضية اللاجئين وشطب أحد أهم الشواهد الدولية على حقهم في العودة. ولهذا، فإن الدفاع عن الأونروا هو دفاع عن الشرعية الدولية، وعن القرار (194)، وعن حق ملايين الفلسطينيين في أن تبقى قضيتهم حية في ضمير العالم حتى ينالوا حقوقهم المشروعة. وإذا كان الاحتلال يسعى إلى إسقاط الأونروا لأنها تمثل شاهداً قانونياً على جريمة التهجير، فإن الواجب العربي والإسلامي والدولي يقتضي حماية هذه المؤسسة، سياسياً ومالياً، وعدم السماح بتحويل إعادة إعمار غزة أو الأزمات المالية إلى أدوات لتصفية قضية اللاجئين. فالتاريخ لن يذكر فقط من مارس القتل والتجويع والحصار، بل سيذكر أيضاً من سمح بإسقاط آخر شاهد أممي على النكبة الفلسطينية. أما إنقاذ الأونروا اليوم، فهو ليس دعماً لمؤسسة إغاثية فحسب، بل دفاع عن العدالة، وعن الشرعية الدولية، وعن حق شعب ما زال ينتظر أن ينصفه العالم. اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني
جامعة عمان العربية تشارك في جلسة حوارية حول منظومة التحديث السياسي ودور مراكز الدراسات في دعم التنمية الوطنية
جامعة البلقاء التطبيقية تستقبل أعضاء المجلس التأسيسي لكلية الإعلام وتبحث رؤيتها الأكاديمية المستقبلية